خاص بالفيديو|| اخفاقات عباسية .. دمرت حركة فتح والقضية الفلسطينية

05 يناير 2022 - 00:16
صوت فتح الإخباري:

يُفضّل «طنجرة المقلوبة» رفقة «أم عياله» على أيِّ اجتماعٍ سياسيّ تنظيميّ.. كلمات تتردد على ألسنةِ العديدين من عارفي الرئيس محمود عباس، ذلك الرجل الذي يحظي بتاريخ طويل في حركة فتح عاش جل سنواته كشخصية مغمورة رضيت عن قناعة بادوار ثانوية، جالسا خلف الأضواء بلا أي طموح، رغم تقلده لمناصب حساسة في منظمة التحرير الفلسطينية.

عُرف عنه تأييده المبكر للاستفادة من أجواء «التطبيع» التي رافقت ذهاب السادات إلى القدس، واعتبره البعض آنذاك ممثلًا لـ«الاتجاه التسوويّ» في حركة فتح، وظل متخفيا حتى وقع اتفاق أوسلو عام 1993، حيث شغل منصب المستشار السياسيّ عرفات ونفذ مهمّات دبلوماسية خاصة.

التحول المفاجئ

التحول كان مع اندلاع الانتفاضة الأفصى، حين دخل أبو مازن في صراعٍ مريرٍ وإشكاليّ مع الرئيس الراحل ياسر عرفات، بعدما أصبح عباس الخيار المفضل لإسرائيل وأمريكا كبديل لأبو عمار، الذي لم يكن يتصوّر في يومٍ من الأيام أن تُمسّ مكانته وموقعه بوصفه زعيمًا للشعب الفلسطيني، كما لم يتصوّر يومًا أن يتجاوزه أحدٌ ما من محيطه في التفرّد في صناعة القرار، وقد أدرك كذلك أن رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك، أرئيل شارون، نجح في إقناع إدارة جورج بوش الابن بأن عزْله، بل واستثنائه على المستوى الشخصيّ، هو شرط رجوع الفلسطينيين إلى السياسة.

قدم أبو مازن وبالتعاون مع إسرائيل والولايات المتحدة، «خارطة الطريق» في نيسان/أبريل 2003، لعزل عرفات وتهميشه ولكن أبو عمار تصدى للمؤامرة، وقد كان لهذا الصراع الذي استقال بسببه عبّاس من رئاسة الوزراء آثارٌ أليمة فيه، خاصّةً بعد تخوينه ووصمه بـ«كرزاي فلسطين»، واستهدافه من قبل مسلحين في أيلول/ سبتمبر 2003، وما كان لهذا الخلاف أنْ يُحلَّ بهدوء، لولا رحيل عرفات في نوفمبر 2004، لتكون لحظة فارقة أيضا إذ انحرف مسار القضية الفلسطينية وانقلبت احوالها رأس على عقب.

خطة دايتون

بعد انتخابه رئيسًا بالأغلبيّة، حمل أبو مازن على ظهره برنامجًا إصلاحيًا طموحًا هدف إلى تشكيل أرضيّة لتنسيق العمل السياسيّ بين الفصائل الفلسطينية، عبر الدعوة إلى انتخاباتٍ تشريعيّةٍ تضمن احتواء حركة حماس على أنها معارضة برلمانية ملتزمة بحدود النظام السياسيّ الفلسطينيّ الرسمية.

وقد هدف برنامجه كذلك إلى إعادة بناء مؤسسات السلطة الفلسطينية (بما فيها الأجهزة الأمنية) وفق قواعد الشفافيّة التي تعتمدها المؤسسات الدوليّة، أي وفق نظمٍ إداريّة ومحاسبيّة ورقابيةٍ أفضل.

غير أنه ينبغي القول بأن خطة أبو مازن الإصلاحية، التي قدّمها على أنّها قشّةُ الغريق، لم تكن نابعةً من ضرورات إصلاحيّة داخليّة، بل كانت التزامًا اتجاه الولايات المتحدة، وثمنًا سياسيًا لهزيمة الانتفاضة. فقد استنتجت إدارة جورج بوش الابن، بتحريضٍ إسرائيليّ، أن على الفلسطينيين، إن رغبوا يومًا في مناقشة حق تقرير مصيرهم، أن ينبذوا «العنف والإرهاب».

وقد قيّم الأميركيون والإسرائيليون تجربة الانتفاضة الثانية، ووجدوا أنّ عرفات استطاع إشعال الانتفاضة المسلحة عبر الأجهزة الأمنية التي صممها بطريقةٍ فوضويّة وغير رسميّة تابعةً له شخصيًّا. لذلك، كان شرطهم الأساسيّ هو إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، وتدريب عناصرها وفق قواعد الانضباط العسكريّ، بإشراف الجنرال الأميركي كيث دايتون، ووضع مخصصات أفرادها المالية تحت رقابة البنوك.

رجل مرتبك

تشكّل سيرة أبو مازن السياسيّة مفتاحًا أساسيًا لفهم سياساته المرتبكة في رئاسة حركة فتح والسلطة الفلسطينية. فقد كان لضعف الخبرة السياسيّة لديه دورٌ في اتخاذه قرارات تدميريّة للحركة التي يرأسها، كسماحه بالذهاب إلى الانتخابات التشريعيّة (٢٠٠٦) في وقتٍ عانت فيه فتح من انقسامات كبيرة، وقد قادت الانتخابات لاحقًا إلى الانقسام الفلسطيني السياسي-الجغرافي الكبير الذي نشهده اليوم.

كما أنّ فشله كذلك في إدارة التوازنات داخل حركة فتح، التي اشتهر بها عرفات، أدى إلى تضعضع العلاقة بينه وبين أقاليم الحركة في أغلب المحافظات الفلسطينية، كما أدى كذلك إلى انهيار تنظيمات فتح بل وتجريفها في قطاع غزة، بعد معارك طاحنةٍ مع مراكز القوى الفتحاوية أخذت طابعًا شخصيًا وفتكت بتقاليد إدارة الأزمات الفتحاويّة.

كما يفسّر افتقاده للجرأة، التي تمتع بها العديد من قيادات فتح التاريخية، تفويته للفرصة تلو الأخرى لإطلاق انتفاضةٍ فلسطينيةٍ جديدةٍ تحرّك مياه السياسة التي ازدادت في عهده ركودًا، كان آخرها هبة السكاكين (٢٠١٥)، وهبة المسجد الأقصى (٢٠١٧)، وأحداث الضفّة الغربيّة (٢٠١٨)، وهبة مايو (2021) بذلك، رفض أبو مازن أن يتجاوز أيًّا من الخطوط الحمراء في مقاومة الاحتلال.

أضف إلى ذلك، تدمير العلاقات الفلسطينية مع الكثير من الداعمة للقضية الفلسطينية على مر التاريخ، وتراجع ملموس في مكانة القضية الفلسطينية على الأجندة الدولية.

العباسية ضد العرفاتية

يمكن قراءة عهد أبي مازن على أنّه تاريخٌ للصراع بين العرفاتيّة والعباسيّة؛ وفي الحقيقة، كان أبو مازن منذ ترشيحه للانتخابات الرئاسيّة عام ٢٠٠٥، في منتهى الوضوح حينما أعلن قطعهِ مع العرفاتيّة، فمنذ يومه الأول عمل على محاربة كل ما أسس له الخالد أبو عمار.

وفي إطار تمهيد الطريق للسيطرة علة مفاصل الدولة الفلسطينية، بطش عباس بحلفائه ممن سهلوا وصوله إلى السلطة، وفصل الآلاف من كوادار وقيادات حركة فتح، وارتكب مجزرةً تنظيمية بعد المؤتمر السابع للحركة في كانون الأول/ديسمبر ٢٠١٦ بغياب المئات من ممثلي قواعدها الشعبية وبحضور المئات من الأعضاء الجدد غير المعروفين.

لم يكتفِ عباس بذلك، بل شن معارك تكسيرِ عظمٍ مع الفصائل الفلسطينية في الضفة الغربية، ونجح عبر سياسات القوة بتفكيك الفصائليّة هناك، إما بإخضاعها كليًا لسلطتة أو إقصائها من النظام السياسي الفلسطيني، وقلّمت إجراءاته أظافر الفصائل الداعمة تاريخيًا له في (م.ت.ف.)، وطالت أذرعته الأمنية كذلك قيادات الفصائل في سجون الاحتلال، التي يقبع فيها شريحةٌ أساسيّة من عناوين عهد العرفاتيّة.

ووُلدت واقعيّة محمود عبّاس التي تأرجحت بين شجب إسرائيل وإدانة المقاومة، وبين التنديد بسياسات الاستعمار الإحلالية من جهة وقمع مقاومتها وكبحها من جهةٍ أخرى، والمفارقة هنا أن سياسة أبو مازن، التي عوّل عليها استراتيجيةً وحيدةً لفرض الدولة على إسرائيل، لم تنتج دولة، بل حوّلت السلطة الفلسطينية إلى «غولٍ» بيروقراطيّ وأمنيّ بلا خطابٍ وطنيّ، منسلخا عن حاضنته الشعبيّة تنظيميا ووطنيا.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق