على العهد باقون..

خاص بالفيديو|| 17 عاما على رحيل عرفات.. شيّع في 3 قارات ودفن مرتين

10 نوفمبر 2021 - 20:33
صوت فتح الإخباري:

لم يكن  الزعيم الفلسطيني الراحل محمد عبدالرؤوف عرفات القدوة الشهير باسم "ياسر عرفات" شخصا عاديا على الإطلاق، إذ عاش ابو عمار حياة مختلفة عن نظرائه من الزعماء، وكذلك كانت تفاصيل وفاته، فقد صُليَ عليه في ثلاث قارات، وشُيع ثلاث مرات، ودُفن مرتين.

ارتبط اسمه باسم فلسطين وباتا قرينان لا يفرتقا، ورسم بكوفيته خارطة الطريق إلى فلسطين، يعتبر الرئبس الرمز أشهر سياسي كافح من أجل شعبه في تقرير مصيرهم.

وتوفي عرفات يوم الحادي عشر من نوفمبر، عن عمر ناهز 75 عاما، في مستشفى "كلامار" العسكري في العاصمة الفرنسية باريس، إثر تدهور سريع في حالته الصحية، في ظل حصاره لعدة أشهر من جانب جيش الاحتلال في مقر الرئاسة المقاطعة بمدينة رام الله، وسط الضفة الغربية.

مشهد مفزع

قاضي قضاة فلسطين السابق الشيخ تيسير التميمي، الذي لازم عرفات أثناء حصاره بمقر المقاطعة في مدينة رام الله وحتى مرضه ومغادرته إلى المستشفى الفرنسي بعد تدهور حالته الصحية، يقول إنه كان بجوار عرفات في غرفة علاجه بالمشفى الفرنسي حتى فاضت روحه في 11 نوفمبر/تشرين ثاني 2004، ثم قام بنفسه بدفنه في قبر مؤقت بمقر المقاطعة في رام الله.

ويشير إلى أن المشهد الذي لا زال محفورا في ذاكرته هو لحظة دخوله على عرفات في المستشفى الفرنسي قائلا: "عندما دخلت غرفة العناية المركزة رأيته مسجى في سريره وموصولا بأنابيب تغذية وأجهزة عديدة وأسلاك كثيرة في رأسه وأجزاء أخرى من جسده".

ويضيف: "كان المشهد مفزعا، رأسه أكبر من حجمه الطبيعي، وعيناه جاحظتان، لكن تمالكت نفسي وجلست إلى جواره مغمض العينين نحو ساعة قرأت خلالها ما تيسر من القرآن الكريم".

ويردف التميمي: "بعد ساعة وقع نظري على كتفه الأيمن وكان مكشوفا ويتحرك لا إراديا، فخرجت للإعلام وقلت إن الرئيس حي بعد أن شاعت أخبار عن وفاته".

ويتابع: "بعدها غاب الرئيس عن الوعي لساعات ثم طرأ تحسن آخر على صحته بشكل فاجأ الأطباء، وأثلج صدور الفلسطينيين"، لكنه يستدرك: "إنها صحوة الموت كما نسميها".

ويقول التميمي: "بقيت إلى جوار عرفات حتى الثالثة والنصف من فجر 11 نوفمبر، وفي لحظة تدهورت صحته بشكل مفاجئ، وتداعى الأطباء، لكنه توفي".

ويضيف: "في الصباح حضر ثلاثة من أئمة مساجد باريس وقمنا بغسله، ورغم أنه كان قد مضى خمس ساعات على وفاته، لاحظنا استمرار نزيف الدماء من مواضع التوصيلات والأنابيب وحقن التغذية في جسده ورأسه، فطلبنا لاصقا لوقف النزيف".

ويشير إلى أن الموقف الذي جعله يجزم بفرضية تسميم عرفات هو أنه عندما سأل الطبيب عن سبب نزيف الدم، مع أن الدم يتجلط فورا في حالات الوفاة، فأبلغه بوجود أنواع من السم تمنع خاصية التجلط في الدم.

ويوضح التميمي، أنه صلى على عرفات المرة الأولى بعد غسله في المستشفى مع الأئمة من مساجد فرنسا وطبيب مغربي فقط، ثم وضعوه في التابوت واحتفظ بمفتاح التابوت وغادر إلى مدينة رام الله لتهيئة القبر.

** قبر خاص

يقول التميمي "القبر (في رام الله) صمم بطريقة تمكننا لاحقا من حمله ونقله إلى القدس، لتنفيذ وصية عرفات بدفنه هناك، لكن إسرائيل منعتنا من ذلك، فصنعنا صندوقا إسمنتيا بمقابض تسهّل حمله لنقله إلى القدس عندما يتيسر ذلك".

ويردف: "مع وصول الجثمان إلى رام الله، قادما من القاهرة بعد تشييعه بحضور زعماء العالم، تدفق أكثر من مئة ألف مواطن إلى المقاطعة، فلم نتمكن من نقله من الطائرة إلى مكتب الرئاسة حيث ينتظر سياسيون ودبلوماسيون وسفراء لإلقاء نظرة الوداع عليه".

ويتابع: "لم نتمكن حتى من الصلاة عليه، واضطررنا لنقل التابوت بسيارة إلى القبر مباشرة، وداخل القبر لم أتمكن من دفنه بالطريقة السليمة، فقررت إغلاق القبر على التابوت".

ويشير إلى أنه "عند الثانية فجرا أعدنا فتح القبر، فأخرجنا الجثمان من التابوت، وصلينا عليه مجددا خارج القبر".

ويلفت التميمي، إلى أنه "حرص على إحضار 50 كيسا صغيرا من تراب المسجد الأقصى، ووضعها في القبر المتنقل لعرفات، قبل أن يغلقه".

ويضيف: "رأسه (عرفات) عاد لحجمه الطبيعي، ووجهه عاد أيضا لحالته الطبيعية مع ابتسامة خفيفة".

ويضيف التميمي، أن المرة الثالثة التي تمت الصلاة فيها على جثمان عرفات كانت "لدى وصوله إلى القاهرة قادما من فرنسا حيث جرت الصلاة عليه فى مسجد الجلاء بمصر الجديدة".

ويوضح أنه "جرت لعرفات مراسم عسكرية في فرنسا بالقارة الأوربية، وفي القاهرة بالقارة الإفريقية، وفي رام الله بالقارة الآسيوية"، لافتا إلى أن هذا الأمر "لم يسبق لأحد".

باريس تودع عرفات

ودعت فرنسا يوم الحادي عشر من نوفمبر عام 2004 جثمان الرئيس ياسر عرفات في مراسم رسمية  مهيبة، ملفوفا بالعلم الفلسطيني ومحمولا على اكتاف حرس الشرف.

وقام الرئيس الفرنسي آنذاك جاك شيراك بتقديم العزاء شخصيا لأسرة وأقارب عرفات وللمسؤولين الفلسطينيين الذين تواجدوا في باريس.

وأقلت طائرة حكومية فرنسية جثمان عرفات إلى القاهرة.

جنازة رئاسية

بمشاركة وفود من نحو ٦١ دولة، نظمت مصر جنازة عسكرية مهيبة للرئيس الفلسطينى الراحل ياسر عرفات، وتقدم الموكب الجنائزى الرئيس حسنى مبارك والرئيس السورى بشار الأسد وولى العهد السعودى الأمير عبدالله بن عبدالعزيز ورؤساء تونس زين العابدين بن على والجزائر عبدالعزيز بوتفليقة، واليمن على عبدالله صالح والسودان عمر البشير، ولبنان أميل لحود والعاهل الأردنى الملك عبدالله الثانى، كما شارك فى التشييع الأمير مولاى رشيد شقيق العاهل المغربى الملك محمد السادس، والأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى. وشارك فى مراسم التشييع وفد فلسطينى رسمى يضم محمود عباس الذى انتخب رئيسًا للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وفاروق القدومى الذى انتخب رئيسا لحركة «فتح»، وروحى فتوح الذى انتخب رئيسًا للسلطة، وأعضاء اللجنة التنفيذية للمنظمة محمد زهدى النشاشيبى، وياسر عبدربه، وزكريا الأغا، إضافة إلى ناصر القدوة ممثل فلسطين فى الأمم المتحدة وابن شقيقة عرفات.

واستغرقت مراسم تشييع الزعيم الفلسطينى فى القاهرة قرابة الساعتين، وبدأت بإقامة صلاة الجنازة على روح الزعيم الفلسطينى الراحل فى مسجد نادى الجلاء، والتى أمها شيخ الازهر محمد سيد طنطاوى.

وعقب الصلاة تجمع المشيعون العرب والأجانب فى سرادق أقيم داخل النادى، حيث تلى القرآن وتلقى الوفد الفلسطينى الرسمى العزاء قبل أن يبدأ موكب جنائزى مهيب.

ووضع جثمان عرفات فوق عربة مدفع تجرها الخيول،وأحاط بالجثمان حملة الأوسمة والنياشين التي حصل عليها عرفات يتقدمهم رجال حرس الشرف وهم يحملون السيوف وباقات الزهور ،فيما كانت فرق عسكرية تعزف موسيقى جنائزية ثم عزفت السلامين الوطنيين المصري والفلسطيني، انتهى فى مطار ألماظة العسكرى شمال شرق العاصمة المصرية القاهرة.

مشهد مهيب

ومن مطار ألماظة العسكرى نقلت طائرة عسكرية مصرية من طراز هيركوليز سي ـ 130 جثمان الرئيس أبو عمار إلى مدينة العريش المصرية حيث وضع على متن مروحية عسكرية مصرية نقلته  إلى رام الله.

وفي رام الله كان  نحو ربع مليون مواطن في انتظار وصول جثمان القائد الرمز في رحلته الأخيرة.

وعند الساعة الثانية والربع بتوقيت فلسطين من يوم الجمعة الثاني عشر من تشرين الثاني/نوفمبر 2004 ، حطت مروحيتان عسكريتان مصريتان إحداهما تقل جثمان " أبو عمار" على المهبط الرئاسي في مقر المقاطعة.

وكان المشهد مؤلماً وحزيناً للسيل الجارف من المواطنين  الذين كانوا في استقبال والدهم وزعيمهم التاريخي العائد شهيدا ، احتشد مئات الآلاف  رغم كل العراقيل والحواجز المتعمدة التي وضعتها قوات الاحتلال، وتقطيعها لأوصال الوطن لحرمان المواطنين من وداع قائدهم.

وفور هبوط المروحيتين، تدافع آلاف المواطنين نحو الطائرتين لإلقاء نظرة الوداع على جثمان الرئيس الشهيد، وهم يكبرون ويهللون ويهتفون باسمه ، ما أحدث بلبلة في المراسم الرسمية التي أعدت مسبقاً.

وانتشرت جموع المواطنين في كافة أرجاء مقر الرئاسة، وفوق أسطح المنازل المجاورة، وسط مشاعر جياشة تجاه الراحل الكبير عرفات.

وباءت كل محاولات رجال الأمن والشرطة لإبعاد المواطنين عن الطائرة، ولإخراج جثمان الرئيس بالفشل، من شدة السيل الجارف من المواطنين.

يا أبو عمار ارتاح واحنا نواصل الكفاح

بعد محاولات مضنية وشاقة، تمكن رجال الأمن من إخراج جثمان الرئيس الذي لف بعلم فلسطين، ليرفعوه فوق أكتافهم، وسط تدافع المواطنين لينالوا شرف المشاركة في حمله، ووسط صيحات وهتافات الوفاء للرئيس القائد.

اخترق نعشه الأمواج البشرية بصعوبة بالغة ، فيما كانت حناجر آلاف المواطنين تهتف بالشعارات التي تحيي أفكارالرئيس والمبادئ التي قضى من أجلها.

وهتفت جموع الموطنين بشعارات، منها: "يا أبو عمار ارتاح ارتاح واحنا نواصل الكفاح"، "أبو عمار صرح تصريح يا جبل ما يهزك ريح"، وغيرها من الشعارات التي تحيي الرئيس الشهيد، أو تلك التي كان الراحل يرددها في حياته بين شعبه.

ورفع المواطنون صور عرفات، والأعلام الفلسطينية وبعض أعلام الدول العربية والرايات السوداء. كما رفع العديد من المواطنين الأعلام الفرنسية، تعبيراً عن التقدير  لفرنسا شعباً وحكومةً ورئيساً، على الاهتمام البالغ الذي لقيه زعيم الشعب الفلسطيني من لدنها أثناء فترة مرضه، وأيضا أثناء وداع جثمانه رسمياً وشعبياً. 

وودع عشرات الآلاف من المشيعين  قائدهم التاريخي الشهيد ياسر عرفات (ابو عمار) في عرينه بمقر الرئاسة، ووسط هتافات وتكبيرات عشرات آلاف المواطنين وضع جثمان الشهيد القائد  في ضريح خاص  في ساحة مقر الرئاسة ليدفن فيه "مؤقتاً"، لأن عرفات أوصى بدفنه في باحة الحرم القدسي الشريف، حيث سيتم نقل رفاة عرفات إليه بعد تحريره.

وأقيمت صلاة الغائب على روح عرفات بعد صلاة الجمعة في المسجد الاقصى بالقدس المحتلة.

وشارك عشرات الآلاف من المواطنين في فطاع غزة في جنازة رمزية تزامنت مع مراسم تشييعه في رام الله.

جنازات رمزية حاشدة

ونظمت جنازات رمزية حاشدة وصلوات لعرفات في المدن الفلسطينية وفي عدة عواصم ومدن عربية بينها القاهرة ودمشق وبيروت وصنعاء،وكذلك في عدد من الدول الإسلامية ودول أخرى في العالم.

كن أول من يعلق
تعليق جديد
البريد الالكتروني لا يظهر بالتعليق